الخميس، 27 أغسطس 2026

لنعيد للمعلمين طلابهم!




من منّا لا يتذكّر أيام المدرسة، والجلوس على مقاعد الدراسة في بداية كل عام؟

وتلهّفنا لشراء مستلزمات المدرسة الجديدة، ثم، وبكل حماس، نداوم في أول يوم، ونتعرّف في كل حصة إلى معلّم أو معلّمة كل مادة..

لكن، قبل هذه اللهفة وهذا الحماس..

كيف أعدّت الأسرة أبناءها للعودة إلى المدرسة بعد إجازة طويلة؟

إجازة كانوا فيها في ضيافة عالمٍ متسارع من الأحداث، والألعاب، والأجهزة، والأنشطة، والسفر..

كيف نعيد الطفل من هذا العالم الواسع والسريع إلى مقعد الدراسة، حيث عليه أن يستمع، ويركّز، وينصت، ويلتزم، ويتعلّم؟

وهنا تبدأ مسؤولية الأسرة، قبل أن تبدأ مسؤولية المدرسة والمعلم.

قبل أن نسلّم الطفل للمعلم، علينا أن نعيد إشعال حماسته.

نُعيد نومه إلى وقته، ونخفف إفراطه في استخدام الأجهزة، ونجعله يتقبل وجبات اللانش بوكس المنزلية.

نعلّمه أن يستمع، وأن يحترم معلمه بتذكيره بمكانة المعلم وأهمية التعليم.

نهيئه نفسيًا للانتقال من عالم الإجازة إلى عالم المدرسة بما فيه من نظام والتزام.

فنحن لا نُعدّه للمدرسة فقط، بل نُعدّه ليكون طالبًا قادرًا على التعلّم.

ومن أيدي الأسرة يستلم المعلم طلابه بداية كل عام، بعد أن يستعد لطلاب سريعي التطور والتعلّم، والانتقال من فكرة إلى أخرى خلال ثانية واحدة، ويستعد للتعامل مع أدوات التعلم السريعة، وقد اطّلع على كل التطورات حتى يستطيع أن يبقى قريبًا من هذا الجيل.

ويُعدّ المعلومة المختصرة التي تناسب تفكيرهم، ويساعدهم على استعادة مهارة الانتباه والتعلّم والتفاعل، وكذلك الحفظ.

وهنا تظهر قيمة المعلم؛ لأنه لا ينقل المعلومة فقط، بل يساعد الطفل على استعادة مهارة التركيز والتعلّم والتفاعل مع الآخرين.

إن التعليم مشروع شراكة بين الأسرة والمعلم، تحت رعاية وتوجيه وزارة التعليم وقيادة الدولة، التي تبني المدارس والمناهج، وتعدّ الجاهزية الكبرى لعودة الطلاب إلى مقاعدهم، والتي فيها سيتلقون التعليم الذي يتناسب مع الميثاق الوطني للتعليم، الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والذي يعد المرجع الأسمى للتعليم في الدولة.

في بناء جيل متمسك بهويته وقيمه، قادر على التفكير والإبداع، نرى من خلاله مستقبل الإمارات.

الخميس، 20 أغسطس 2026

كيف تُربي طفلك قبل أن يولد؟!




إن كنتم مستعدين لمستقبلٍ مزهر، عليكم أن تراجعوا بذور حاضركم

هذا السطر استنتجته من قراءتي لكتاب «إنسان المستقبل» للحكيم الروسي لازاريف.

إن أصل أي شجرة هو البذرة، وهذه البذرة جاءت من ثمرة سابقة.

بل أيهما أسبق: البذرة أم الشجرة؟

ربما لا تكون أهمية السؤال في معرفة أيهما أسبق، بقدر ما تكمن في فهم العلاقة بينهما؛ فالبذرة تحمل في داخلها إمكانية الشجرة، والثمرة التي نراها اليوم كانت في أصلها بذرةً في يومٍ ما.

وبصلاح تلك الثمار يكون صلاح البذرة.

ولنسقط هذا المثال على الأب والأم وطفلهما.

إن الأب والأم شريكان فيما ينتج عنه الطفل؛ فسلوك الوالدين، وطريقة تفكيرهما، ومشاعرهما، وعلاقتهما ببعضهما وبالآخرين، كلها أمور يمكن أن تترك أثرًا عميقًا في الطفل وتكوينه.

ولهذا، ربما علينا قبل أن نفكر في تربية أبنائنا أن نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا:

ما الذي نحمله نحن في داخلنا؟
وما البذرة التي سنزرعها في أبنائنا؟
وأي ثمار ننتظر أن نراها في مستقبلهم؟

من الأفكار التي علقت في ذهني من كتاب لازاريف لمرحلة ما قبل إنجاب الطفل هي:

«قبل الإنجاب، حبذا لو ينزع الأب والأم أحقادهما وعدوانيتهما تجاه الآخرين والأشياء، وبالأخص الأم أثناء الحمل؛ إذ ينبغي أن توجه طاقتها الكبرى لله وحده، والطاقة الصغرى إلى القوى البدنية والروحية.»

ويرى لازاريف أن الحالة الروحية للوالدين لها حضور مهم في توجيه الطفل وتربيته، ويعبّر عن ذلك بقوله:

«أهم ما يوجّه الطفل ويربيه هو: الحالة الروحية للوالدين.»

كذلك يرى أن العلاقة العاطفية بين الزوجين تترك أثرًا في الطفل، وأن الجو الذي تنشأ فيه الأم أثناء الحمل يمكن أن ينعكس على حالتها، ومن ثم على الطفل.

ويقول في هذا السياق:

«كلما كان حبنا لشريك حياتنا أكبر، كان المولود أفضل حالًا، على ألّا يفوق حبنا لشريك حياتنا حبنا للإله.»

ومن هنا تبدأ مسؤولية الأب والأم قبل أن يأتي الطفل إلى الدنيا، ثم تستمر بعد ولادته.


لذلك عند اختيار الطرفين لبعضهما لتكوين أسرة يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار سلوك و طريقة و روحانية الآباء و الأمهات، و كذلك يجب ألّا ننسى أن البيئة تؤثر كذلك على نتيجة هذه القاعدة.


الأبناء ليسوا مجرد مستقبلٍ ننتظره، بل هم ثمرةٌ لبذور نزرعها اليوم.

فإن أردنا أن نرى في أبنائنا الرحمة، فلنزرع الرحمة في بيوتنا.

وإن أردنا منهم الصدق، فلنكن صادقين.

وإن أردنا منهم القرب من الله، فلنكن نحن أول من يطلب هذا القرب.

فالطفل قد لا يتذكر كل ما قلناه له، لكنه غالبًا سيتذكر كيف كنا نعيش أمامه.

وفي النهاية، تذكّروا دائمًا:

البذرة الطيبة تنتج عنها شجرة طيبة، والثمرة التي نحصدها اليوم تبدأ من البذرة التي زرعناها بالأمس .

الخميس، 13 أغسطس 2026

الحب لا يكفي!






في فترةٍ ما.. قبل أن أعي المعنى الحقيقي للرحمة، كنت أعتقد أن الحب كافٍ بأن نحيا حياتنا في سلام وسعادة..

ولكن تبيّن لي أن الرحمة قد تُوهَب من الله، وهناك رحمةٌ مكتسبة نحصل عليها بترويض أنفسنا عليها..

فالرحمة هي: رِقّة وعطف ورأفة وإحسان إلى المرحوم، بسوق الخير إليه ودفع الشر عنه.


شعورٌ إنساني في غاية الرُقي، وهو من أجمل المعاني التي يدل عليها اسم الرحمن، شعورٌ يسبق الحُب، فعندما تحب أحدًا ما فلا يكفي أن تحبه فقط، بل أن ترحمه أولاً.. 

إن ما أوصلني لهذه اللحظة لأكتب لكم عن الرحمة، هو عندما «تألمتُ فشعرتُ بألم غيري».

الألم الذي يَرْفَعُ المتألم إلى درجةٍ يصبح فيها رحيمًا، لا يريد أحدًا أن يصيبه ذلك الألم..

فأحيانًا قد يشعرك الله بألمٍ ليزكّي نفسك وليُرَقِّق قلبك، فتصبح حواسك حساسة لمن حولها من البشر، فتخفف عن هذا، وتواسي هذا، وتسوق الخير إلى هذا، وتدفع الشر عن هذا.

وكما يقول شمس الدين التبريزي:

«إن معاناة إنسان واحد تؤذينا جميعًا، وبهجة إنسان واحد تجعلنا جميعًا نبتسم.»

ومن هذا القول نستنتج أن العلاقات بين البشر ما هي إلا روابط إنسانية تربط بعضهم ببعض؛ فألم واحد منا يؤلمنا، وسعادة واحد منا تعتبر سعادتنا جميعًا.

وإن كلمة «قطع الرحم» ليست مجرد قطيعة بين الأشخاص، بل هي قطعٌ لروابط التراحم التي تجمع الأرحام ببعضهم.

فالرحمة هي التي تُبقي هذه الروابط موصولة، وتجعلنا في اتصال إنساني دائم ببعضنا؛ نشعر بألم هذا، ونفرح لفرح ذاك، ونسوق الخير إلى هذا، وندفع الشر عن ذاك.

وحينما نُفَعِّل الرحمة فيما بيننا، فإن الحب والسلام يأتيان تباعًا لها.

فلا نؤذي أحدًا، ولا نعتدي على أحد، ولا نقهر أحدًا، ولا نغتاب أحدًا، ولا نُسيء الظن بأحد، ولا نهتك عرض أحد..

«فماذا لو كان القلب الذي كسرته يُحبه الله؟»
— جلال الدين الرومي

الرحمة هي من ستُجمّلهم في قلبك، وهي من ستجعلك تلتمس العذر لهم، وستساعدك على أن تسامح من آذوك، وتعتزلهم، وستبني بينك وبين الشرور حاجزًا كبيرًا من الحب والسلام.

إن الرحمة تجعل قلبك يكره الفعل لا الفاعل، وتكره الخطيئة لا المخطئ، وتبعدك عن المخاصمة والتعصب والجدال والعراك..

وإن سبقت رحمتك حبك، ستتقبل اختلافات الآخرين، وستتفهم تفاوت مستويات وعيهم.

سيتقبل الزميل زميله، والزوج زوجته، والوالد ولده، وستجري جميع العلاقات في سلاسة وسلام..

إن عالمنا اليوم يعاني من القسوة وغلظة القلب وحب الجدال والعراك، كلٌّ يدافع عن قضيته بالنزاع.

بينما لو كانوا يتأملون القرآن لرأوا أن الرحمة قد ذُكرت في «مائتين وثمانية وستين» موضعًا، منها قول الله تعالى:

﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾

إن الرحمة تختلف عن الشفقة؛ لأن الرحمة تتضمن العطف والحنان والخير، لذلك الله رحيم، ولكن لا يصح وصفه بالشفقة.

حيث إن الشفقة هي: الرحمة والحنان والخوف من المكروه أن يصيب المشفق عليه.

فلنرحم ونشفق على كل شيء في هذا الكون؛ نرحم ونشفق على أنفسنا أولًا، وعلى غيرنا؛ كبيرنا وصغيرنا، على الصديق والخصم والمعتدي والمخطئ.

نرحم ونُشفق على النبات والحيوان، وعلى كل ما نستخدمه من الجمادات.


قال صلى الله عليه وسلم:

«الراحمون يرحمهم الله ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.»

«من لا يرحم لا يُرحم.»

ولنتذكر بأننا أمةٌ لنبي الرحمة، الذي قال عنه الله عز وجل في محكم كتابه:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾

رحمةً بنا، فهلّا تراحمنا فيما بيننا؟